عبد الملك الجويني

285

الشامل في أصول الدين

مسألة [ الوسائط ] اتفق المحققون على أن الوسائط إذا ارتفعت بين جوهرين ، لم يلزم اصطكاكهما « 1 » . وذهب بعض الكرامية إلى أن ارتفاع الوسائط يوجب اصطكاك الأجرام ، وجرهم ذلك إلى أن قالوا : لو أعدم اللّه الهواء بين السماء والأرض ، لزالت السماوات أمّة إلى الأرض ، ولارتفعت الأرض أمّة إلى السماء حتى يصطكا ، وهذا خروج عن اليدين وتلبس بالكفر الصراح . فإن الأمر لو كان على ما قالوه ، كان الهواء عمادا للسماء ، وهذا خلاف الإجماع ونص القرآن . والذي يبطل ما قالوه : أن مقتضى أصلهم منع تداخل الأجسام ، فلو كان الهواء ممتلئا بالجواهر ، لما انخرق فيها طائر ، ولما تقلب فيها شيء ، ولما هوى حجر من قلة جبل إلى حضيضه « 2 » ، ولأمسكه الهواء كما يمسك السماء . فإن قالوا : لا ينقلب منقلب في الهواء إلا يتسع الهواء في أقطار العالم ، وينفرج ما ينفرج منه لذلك . قلنا : إذا حرّك المحرّك يده وهو في وسط الأرض ، فلا يتزحزح الجزء الذي على طرف العالم من الهواء إلا بعد أن تتحرك جميع الأجزاء من موضع حركة اليد إلى أقصى العالم في تلك الجهة . وهذه حماقة لا يرتضيها محصّل . مسألة [ الخلاء والملاء ] وينساب من هذه المسألة ، وهي متوجهة بالخلاء والملاء ، مسألة : وهي أن الواقف لو وقف على طرف العالم في معلوم اللّه ، لم يتصور عند مخالفينا منه أن يمد يده في تلك الجهة ؛ بل تلتصق يده به من تلك الناحية . وهذا مبلغ في الجهالة لا حاجة إلى الإطناب في إبطاله ، ثم سبيل التحقيق أن نقول : إنما يختص كل جوهر بحيزه لكون نخصصه به ، فما المانع من تباعد جوهرين واختصاص كل منهما بحيز أو كون نخصصه به ؟ وتمسك هؤلاء بأن قالوا : من عمد إلى قارورة ضيقة المنفذ ، وامتص الهواء منها ، وأمسك رأس القارورة بعد امتصاص الهواء منها ، وقلبها على الماء ، ورفع الإصبع عن

--> ( 1 ) اصطكت ركبتاه : اضطربتا وضربت إحداهما الأخرى عند المشي . ( 2 ) الحضيض : نهاية سفح الجبل .